الآخوند الخراساني

328

كفاية الأصول ( تعليق السبزواري )

التخويف ، كان نقله حجّةً بدونه ( 1 ) أيضاً ، لعدم الفصل بينهما جزماً ، فافهم ( 2 ) .

--> ( 1 ) أي : بدون التخويف . ( 2 ) ولا يخفى : أنّ المحقّقَيْن النائينيّ والإصفهانيّ تصدّيا لتقريب الاستدلال بالآية الكريمة بوجوه أخر . أمّا المحقّق النائينيّ : فقرّب الاستدلال بها بما زعم أنّه يندفع به جميع ما أورد من الإشكالات السابقة على الاستدلال بها . ومحصّل كلامه : أنّ الاستدلال بها يتركّب من أمور : الأوّل : أنّ الحذر واجب عند الإنذار . وذلك لأنّ كلمة « لعلّ » مهما تستعمل تدّل على أنّ ما بعدها غاية لما قبلها ، سواء كان استعمالها في مقام التكوينيّات أو التشريعيّات ، وسواء كان ما يتلوها من الأفعال الاختياريّة أو غيرها . فإذا كان ما يتلوها من الأفعال الاختياريّة الّتي يمكن تعلّق الإرادة الفاعليّة بها - كما إذا قيل : « بلّغ الأحكام إلى العبيد لعلّهم يعملون بها » - دلّ الكلام على كونه محكوماً بحكم ما قبلها من الوجوب أو الاستحباب ، فإنّ جَعْل الفعل الاختياريّ غايةً للواجب يلازم وجوب ذلك الفعل ، كما أنّ جعله غاية للمستحبّ يلازم استحبابه ، وإلاّ لم يكن من العلل الغائيّة . وحيث أنّ الحذر جُعل في الآية الشريفة غايةً للإنذار الواجب فتدلّ الآية على كونه واجباً لا محالة . الثاني : أنّ المراد من الجمع في أقواله تعالى : ( ليتفقّهوا ) و ( لينذروا ) و ( ليحذروا ) هو الجمع الاستغراقيّ الفرديّ ، لا المجموعيّ الإرتباطيّ . وذلك لوضوح أنّ المكلّف بالتفقّه هو كلّ فرد من النافرين أو المتخلّفين - على التفسيرين - . فالمراد إنذار كلّ فرد من النافرين بعضاً من قومهم ، لا إنذار مجموعهم مجموع القوم ، كي يقال : « إنّ إخبار المجموع وإنذارهم يفيد العلم بالواقع ، فلا تشمل خبر الواحد الّذي لا يفيد العلم بالواقع » . الثالث : أنّ المراد من التحذّر هو التحذّر الخارجيّ والتجنّب العمليّ ، لا مجرّد الخوف النفسانيّ . وهو يحصل بالعمل بقول المنذِر وتصديق قوله والجري على ما يقتضيه من الحركة والسكون . وليس المراد أيضاً الحذر عند حصول العلم من قول المنذر ، بل مقتضى الإطلاق والعموم الاستغراقيّ في قوله تعالى : ( لينذروا ) هو وجوب الحذر مطلقاً ، سواء حصل العلم من قول المنذر أو لم يحصل ، غاية الأمر أنّه يجب تقييد إطلاقه بما إذا كان المنذر عادلاً . وبعد تماميّة هذه الأمور الثلاثة يظهر أنّ الآية المباركة تدلّ على وجوب التحذّر العمليّ عند الإنذار ، وهذا معنى حجّيّة الخبر . انتهى كلامه ملخّصاً . ثمّ تصدّى لبيان الإشكالات الواردة على التقريب السابق ودفعها ، وتابعه في المقام تلميذه السيّد المحقّق الخوئيّ . فراجع فوائد الأصول 3 : 185 - 187 ، ومصباح الأصول 2 : 183 - 184 . ولا يخفى : أنّه يرد على الأمر الأوّل ما أفاده المحقّق الاصفهانيّ وأشار إليه المحقّق العراقيّ من أنّ موارد استعمال هذه الكلمة أوسع من مورد الغاية ، بل أنّها كلمة الشكّ وتستعمل في أمثال المقام في التحيّر وإبداء الاحتمال . راجع نهاية الدراية 2 : 218 - 219 ، وهامش فوائد الأصول 2 : 185 . وأورد المحقّق العراقيّ على الأمر الثاني بأنّ وجوب الإنذار على كلّ واحد بنحو الاستغراقيّ أيضاً لا ينافي حمل الآية على صورة إفادة إنذارهم للعلم ، نظراً إلى إهمال الآية . ثمّ إنّ السيّد الإمام الخمينيّ أيضاً ذهب إلى منع جميع الأمور الثلاثة : أمّا الأمر الأوّل : فلأنّ الظاهر من موارد استعمالات كلمة « لعلّ » أنّ دعوى دلالتها مهما تستعمل على أنّ ما بعدها علّة غائيّة لما قبلها ممنوعة . وأمّا الأمر الثاني : فلأنّ ظاهر الآية الشريفة أنّ المقصود حصول التحذّر القلبيّ حتّى يقوموا بوظائفهم ، فليست الآية في مقام بيان وجوب التحذّر . وأمّا الأمر الثالث : فلأنّ الآية الشريفة مهملة من هذه الجهة ، فإنّها ليست في مقام بيان وجوب التحذّر . ومجرّد كون الجمع في أقواله تعالى استغراقيّاً لا يوجب رفع هذا الإهمال . أنوار الهداية : 1 : 307 - 309 . وأمّا المحقّق الإصفهانيّ : فقرّب الاستدلال بالآية الشريفة بوجهين : الأوّل : أنّ كلمة « لعلّ » كلمة الشكّ ، فتفيد أنّ مدخولها واقع موقع الاحتمال ، فتدلّ الآية على احتمال تحقّق التحذّر عن العقوبة عند الإنذار خوفاً من ترتّب العقوبة ; وهذا يكشف عن حجّيّة الإنذار ، إذ لو لم يكن الإنذار حجّة كان العقاب مقطوع العدم ، لقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، فلا معنى لاحتمال تحقّق التحذّر عن العقوبة خوفاً من العقاب ، حيث لا خوف من العقاب فيما إذا لم يكن الإنذار حجّةً . الثاني : أنّ الإنذار إنّما يتحقّق فيما إذا حدث الخوف من العقاب بالإخبار ، فلا يصدق الإنذار على الإخبار إلاّ إذا تحقّق به التخويف . ومعلوم أنّ إخبار المنذرين مجرّداً عن الحجّيّة لا يوجب التخويف ، فلا يصدق عليه الإنذار . فإذن نفس وجوب الإنذار في الآية كاشفٌ عن حجّيّة إبلاغهم ، وإلاّ لم يصدق عليه الإنذار كي يجب شرعاً . راجع نهاية الدراية 2 : 219 - 221 . ولا يخفى : ما في الوجه الأوّل من الضعف وما للوجه الثاني من القوّة . أمّا الوجه الأوّل : فلأنّه كما يمتنع الترجّي من الله سبحانه كذلك يمتنع منه إظهار الاحتمال ، لاستلزامهما الجهل والعجز ، تعالى الله عنهما . فلا بد من حمل قوله تعالى : ( لعلّهم يحذرون ) على إرادة بيان المحبوبيّة وتقريبِ الاستدلال على وجه ذكره المصنّف ( رحمه الله ) . وأمّا الثاني : فلأنّه يؤيَّد بما في كتب اللغة . فقال الجوهريّ في الصحاح 2 : 825 : « الإنذار : الإبلاغ ، ولا يكون إلاّ مع التخويف » . وقال ابن الأثير في النهاية 5 : 39 : « فأنا منذرٌ ونذيرٌ : أي مُعْلِم ومخوّف ومحذّر » . وقال أبو الهلال العسكريّ في الفروق اللغويّة : 78 : « الإنذار : الإعلام مع التخويف » .